
يكشف الاتفاق الذي أبرمته الجزائر وبروكسل في أواخر مارس 2026 عن منطق صفقة يتحوّل فيها ملف المهاجرين إلى عملات تفاوض تُستخدم لخدمة مصالح النخب الحاكمة، بدل أن تكون جزءًا من سياسة هجرة عادلة أو تعاونية حقيقية.
هذا الاتفاق، الذي وُقّع خلال زيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى بروكسل يومي 25 و26 مارس، ينصّ على آلية لتسريع إعادة المواطنين الجزائريين غير القانونيين في بلجيكا مقابل إعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة من التأشيرة عند دخول بلجيكا، ومن ثم منطقة شنغن بشكل أوسع.
خلف السرد الرسمي عن “شراكة معزّزة” و”تعاون مفيد للطرفين”، تظهر حقيقة صادمة: مقايضة صريحة بين تسريع عودة آلاف الجزائريين غير النظاميين ومنح امتيازات تنقل واسعة للنخبة السياسية والإدارية الجزائرية.
الاتفاق يُلزِم الجزائر بتحديد هوية مواطنيها المقيمين بصورة غير قانونية داخل 15 يومًا بدل أشهر أو سنوات كما كان معمولًا سابقًا، ما يمهّد لإصدار وثائق سفر قنصلية مؤقتة تُسهّل عمليات الترحيل.
و من بين البنود المثيرة للجدل، أن الاتفاق يتيح إجراء عمليات إعادة بصفة جماعية عبر رحلات مخصّصة، وقد يشمل ذلك مرافقة ضباط جزائريين للمهاجرين المطرودين، ما يمثل سابقة في السياسة التعاونية بين الدول.
فهذه الخطوة لا تُظهر فقط ضعف موقف الجزائر في التفاوض، بل تُحوّل عمليات الترحيل الوطنية إلى واجهة تنفيذية تُدار جزئيًا من طرف الدولة نفسها أمام الشريك الأوروبي.
منح بلجيكا إعفاءً من التأشيرة حاملي الجوازات الدبلوماسية والخدمية الجزائرية يُقدَّم رسميًا كإجراء لتسهيل التعاون المؤسسي، لكن الواقع يشير إلى أن الجوازات الدبلوماسية في الجزائر ليست محصورة في النخبة الدبلوماسية فقط.
ففي الجزائر، تُمنح هذه الجوازات لشرائح واسعة من كبار الموظفين، كبار الضباط، مسؤولي الأجهزة الأمنية، والإطارات العليا، بل وحتى أفراد أسرهم، ما يعني أن عشرات الآلاف سيكونون قادرين على الدخول إلى دول شنغن بسهولة لا يحلم بها المواطن العادي.
ما يجعل هذا الاتفاق مهينًا هو أن أولوية مصالح النخبة الحاكمة جاءت فوق أي اعتبار آخر، بما في ذلك ما يُسمّى بـ«الفخر الوطني». الاتفاق قدّم تنازلات واسعة في ملف الهجرة، بينما لم يُحرز أي تقدّم حقيقي في المواقف الكبرى التي لطالما استندت إليها الدبلوماسية الجزائرية في تعاطيها مع أوروبا.
المهاجر غير النظامي اختُزل إذن في “مادة تفاوض” يمكن التلاعب بها، بينما تم تحوّل الدولة إلى وسيط يخدم شبكاته الخاصة بدل حماية مواطنيها أو إدارة سياسة هجرة عادلة.
النتيجة النهائية لهذا الاتفاق ليست ذروة ذكاء تكتيكي أو توافق استراتيجي، بل انحراف واضح في الدبلوماسية الجزائرية. النظام يفضّل توزيع المكاسب داخليًا على طبقة معينة من المسؤولين والمقربين، بينما يضع المواطن العادي – سواء في الداخل أو الخارج – في مرتبة ثانوية.
الاتفاق لا يظهر فقط ضعف الموقف الدولي للجزائر، بل يكشف أيضًا تسليع الدولة لمواردها وسيادتها في سبيل امتيازات ضيقة للغاية مقارنةً بحجم التضحيات التي يُحمّلها المواطن.
اعداد: كنزة البخاري



